صفي الرحمان مباركفوري

420

الرحيق المختوم

حجة الوداع تمت أعمال الدعوة ، وإبلاغ الرسالة ، وبناء مجتمع جديد على أساس إثبات الألوهية للّه ، ونفيها عن غيره ، وعلى أساس رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وكأن هاتفا خفيا انبعث في قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يشعره أن مقامه في الدنيا قد أوشك على النهاية ، حتى إنه حين بعث معاذا على اليمن سنة 10 ه قال له فيما قال : « يا معاذ ، إنك عسى ألّا تلقاني بعد عامي هذا ، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري » فبكى معاذ خشعا لفراق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وشاء اللّه أن يرى رسوله صلى اللّه عليه وسلم ثمار دعوته ، التي عانى في سبيلها ألوانا من المتاعب بضعا وعشرين عاما ، فيجتمع في أطراف مكة بأفراد قبائل العرب وممثليها ، فيأخذوا منه شرائع الدين وأحكامه ، ويأخذ منهم الشهادة على أنه أدى الأمانة ، وبلغ الرسالة ، ونصح الأمة . أعلن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بقصده لهذه الحجة المبرورة المشهودة ، فقدم المدينة بشر كثير ، كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وفي يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة تهيأ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم للرحيل « 2 » ، فترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه وقلد بدنه ، وانطلق بعد الظهر ، حتى بلغ ذا الحليفة قبل أن يصلي العصر ، فصلاها ركعتين ، وبات هناك حتى أصبح ، فلما أصبح قال لأصحابه : « أتاني الليلة آت من ربي فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقل : عمرة في حجة « 3 » » . وقبل أن يصلي الظهر اغتسل لإحرامه ، ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة وطيب فيه مسك ، في بدنه ورأسه ، حتى كان وبيص الطيب يرى في مفارقه ولحيته ، ثم استدامه ولم يغسله ، ثم لبس إزاره ورداءه ، ثم صلى الظهر ركعتين ، ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه ، وقرن بينهما ثم خرج ، فركب القصواء ، فأهل أيضا ، ثم أهل لما استقلت به على البيداء .

--> ( 1 ) روى ذلك مسلم عن جابر ، باب حجة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم 1 / 394 . ( 2 ) حقق ذلك ابن حجر تحقيقا أنيقا ، مع تصحيح ما ورد من أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة انظر فتح الباري 8 / 104 . ( 3 ) رواه البخاري عن عمر 1 / 207 .